أبي منصور الماتريدي

214

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

من الله تعالى ، هذا هو [ ظاهر الكلام ] « 1 » في متعارف اللسان ، ولكن يحتمل هذا وجوها : أحدها : أن يكون هذا القسم من النبي صلّى اللّه عليه وسلم كأنه علمه أن يقسم به ويقول له : قل يا محمد : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ . وإن كان هذا قسما من الله تعالى فهو مستقيم - أيضا - من وجهين : أحدهما : على الإضمار ؛ كأنه قال : فلا أقسم بي ؛ فأنا رب المشارق والمغارب . والثاني : وإن كان هذا القسم من الله تعالى يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر ؛ لأن الخلق كله لله شهود ، وليس هو شاهدا للخلق ، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب ، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد ، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان ، والله أعلم . وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد ؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض ، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض . ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم يقع فيه تغيير ولا تبديل ، ولو كان لله تعالى فيه شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيها ؛ فثبت أن تدبير « 2 » السماوات والأرضين « 3 » وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا لَقادِرُونَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ هذا موضع القسم ، فجائز أن يكون أريد به : أن يبدل الخير منهم ، فيجعل مكان ما كانوا من الشر خيرا ؛ كقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] وقد فعل ذلك ؛ لأنهم أسلموا . ويحتمل أن يكون أراد به أن يبدل قوما خيرا منهم . ثم هذا يخرج على وجهين : أحدهما : على تحقيق القدرة . والثاني : أن يكون معنى القدرة [ إرادة الفعل ] « 4 » . أما الأول فعلى وجهين : أحدهما : على معنى تخويف أهل مكة أنهم إن لم ينتهوا عن ذلك ، أنزل الله تعالى

--> ( 1 ) في ب : الظاهر في الكلام . ( 2 ) في ب : تغيير . ( 3 ) في ب : الأرض . ( 4 ) في ب : الإرادة للفعل .